يُعد الخليفة أبو جعفر المنصور (95-158 هـ / 714-775 م) أحد أبرز حكام الدولة العباسية، حيث لعب دورًا محوريًا في تأسيسها وترسيخ أركانها. اشتهر بحنكته السياسية وبراعته الإدارية، مما جعله يُلقب بـ “مؤسس الدولة العباسية الحقيقي”. في هذا المقال، سنستعرض أهم المحطات في حياته، إنجازاته، وسياسته الداخلية والخارجية.

 

نسب أبو جعفر المنصور

ينتمي أبو جعفر المنصور إلى أسرة بني العباس، وهي إحدى أشهر الأسر الهاشمية التي ارتبطت بصلة قرابة بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). واسمه الكامل هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، مما يجعله من سلالة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم.

وأمه أم ولد اشتراها محمد بن علي بعدما جلبها من نفزة في إفريقية، وكان اسمها سلامة بنت بشير. وقد ولدت له عبد الله أبو جعفر، فأعتقها ثم تزوجها. وقيل أنها كانت من مولدات البصرة.

وقد لعب نسبه العباسي دورًا كبيرًا في شرعية حكمه. حيث استندت الدعوة العباسية إلى أحقية العباسيين في الخلافة بسبب قرابتهم من الرسول (ص). خاصة بعد أن رأى العباسيون أن الأمويين قد حادوا عن مبادئ العدل في الحكم. وكانت هذه الفكرة جزءً من التربية السياسية التي نشأ عليها المنصور.

 

نشأة أبو جعفر المنصور

وُلد أبو جعفر المنصور في عام 95 هـ / 714 م في منطقة الحميمة، وهي قرية تقع جنوب الأردن حاليًا. وقد عاش في كنف عائلة عباسية كانت تُعد من كبار المعارضين للحكم الأموي، مما جعل نشأته تتميز بالسرية والحذر.

ونشأ المنصور في بيئة ثورية، حيث كان والده محمد بن علي أحد دُعاة الدولة العباسية السرية، والتي بدأت تخطط للإطاحة بالحكم الأموي. ومنذ صغره، تلقى تربية قائمة على الوعي السياسي والديني، حيث تعلم أن الخلافة حق للعباسيين، وأن الأمويين قد انحرفوا عن مبادئ الإسلام.

وتربى المنصور على يد والده وأعمامه، الذين غرسوا فيه قيم القيادة والحكمة. وكانت تربيته تتميز بما يلي:

التربية الدينية: حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، ودرس الحديث النبوي والفقه، مما جعله يتمتع بثقافة إسلامية عميقة. وقد حرص والده على أن يتعلم مبادئ الشريعة الإسلامية ليكون حاكمًا عادلًا.

التربية السياسية والعسكرية: نظرًا للظروف السرية التي أحاطت بالدعوة العباسية، تلقى المنصور تدريبات على القيادة والعمل السري. كما تعلم فنون الحرب والإدارة من خلال مشاركته في التخطيط للثورة العباسية.

التربية الأدبية واللغوية: كان المنصور فصيحًا بليغًا، يجيد الشعر والأدب، وقد تأثر بالثقافة العربية الأصيلة. كما تعلم شيئًا من الثقافات المجاورة مثل الفارسية، مما ساعده لاحقًا في إدارة الدولة المترامية الأطراف.

 

دور أبو جعفر المنصور في الثورة العباسية

لعب المنصور دورًا أساسيًا في نجاح الثورة العباسية التي أطاحت بالدولة الأموية عام 132هـ/750م. ولم يكن المنصور مجرد مشارك عادي في هذه الثورة، بل كان أحد مهندسيها الرئيسيين.

قبل اندلاع الثورة العلنية، شارك أبو جعفر المنصور بشكل فعّال في مرحلة التأسيس السري للدعوة العباسية. كان عضوًا بارزًا في التنظيم السري الذي أقامه أبناء العباس في الحميمة بالأردن. وكان من أبرز من تولّى جمع الأموال وتجنيد الأنصار في السر. وقد أظهر في هذه المرحلة المبكرة مهارات تنظيمية فائقة وقدرة على العمل السري تحت أعين الرقابة الأموية المشددة.

وعندما تحولت الدعوة من السرية إلى العلنية، برز دور المنصور كقائد عسكري وسياسي ميداني. شارك شخصيًا في العديد من المعارك الحاسمة، وكان أحد القادة الذين ساهموا في انتصار العباسيين في معركة الزاب الكبرى عام 132هـ/750م، التي كانت الضربة القاضية للدولة الأموية. ويصف الطبري في تاريخه كيف قاد المنصور قواته ببراعة تكتيكية ساهمت في حسم المعركة لصالح العباسيين.

وبعد نجاح الثورة، تولى المنصور مهمة تصفية بقايا النفوذ الأموي، وهي المهمة التي أظهر فيها حنكة سياسية وقسوة ضرورية حسب رؤيته. حيث قام بمطاردة الأمراء الأمويين الفارين، وأرسل القوات لاقتلاع آخر معاقلهم في الشام ومصر. كما أمر ببناء سجن خاص في بغداد لاحتجاز الأمراء الأمويين الذين تم القبض عليهم، مما يدل على إدراكه لخطورة بقاء أي نفوذ لهم.

 

دوره في خلافة أخيه أبي العباس السفاح

شكّلت فترة خلافة أبي العباس السفاح مرحلة تأسيسية حاسمة للدولة العباسية، وقد برز خلالها أبو جعفر المنصور كأبرز أركان الحكم وأهم مساعدي الخليفة. حيث تولى منصب المستشار الأول للخليفة، وكان يحظى بثقة مطلقة منه. وتشير المصادر إلى أن السفاح كان يعتمد على رأيه في جميع الأمور المهمة، خاصة تلك المتعلقة بإدارة الدولة والقضاء على التهديدات الأمنية. حيث كان المنصور يتمتع ببصيرة سياسية نافذة وحنكة إدارية فائقة، مما جعله الرجل الأكثر تأثيرًا في بلاط الخلافة بعد الخليفة نفسه.

كما لعب المنصور دورًا محوريًا في مواجهة التحديات الأمنية التي واجهت الدولة العباسية في سنواتها الأولى. وقاد بنفسه العديد من الحملات العسكرية لقمع الثورات التي اندلعت ضد حكم أخيه، ومن أبرزها ثورة أبي الورد. كما أشرف على تنفيذ سياسة القمع ضد بقايا الأمويين وأنصارهم، حيث أرسل القادة العسكريين لملاحقتهم في مختلف الأمصار.

كان للمنصور أيضًا، دور تأسيسي في وضع الهيكل الإداري الأول للدولة العباسية. حيث ساهم في تنظيم الدواوين وإنشاء النظام المالي الجديد. كما وضع الأسس الأولى للجهاز البيروقراطي الذي سيرافق الدولة العباسية طوال قرون من الزمن. وعمل على تعيين الولاة والقضاة، ووضع الأنظمة التي تنظم علاقة المركز بالأقاليم.

خلافة أبي جعفر المنصور

تولى أبو جعفر المنصور الخلافة عام 136هـ/754م  بعد وفاة الخلفية الأول أبو العباس السفاح. وكان السفاح عقد له ولاية العهد، ومن بعده لابن أخيهما عيسى بن موسى. وتولى المنصور الخلافة في ظروف بالغة التعقيد، حيث كانت الدولة العباسية الفتية تواجه تحديات وجودية من كل جانب. وكانت هذه المرحلة الانتقالية حاسمة في تحديد مصير الدولة الناشئة، إذ لم تكن السلطة العباسية قد استقرت بعد، وكانت تواجه تهديدات خارجية وداخلية متعددة.

واجه المنصور عند توليه الخلافة سلسلة من التحديات الخطيرة التي هددت بزعزعة أركان الدولة. وكان أخطر هذه التحديات، تمرد عمه عبد الله بن علي، الذي رفض البيعة للمنصور وطالب بالخلافة لنفسه مستندًا إلى خدماته الجليلة للدولة العباسية في حروبها ضد الأمويين. كما واجه المنصور تمردات متفرقة من بعض القبائل العربية التي كانت لا تزال موالية للأمويين. بالإضافة إلى بدايات ظهور حركات معارضة من العلويين الذين رأوا في العباسيين مغتصبين لحقهم في الخلافة.

أظهر المنصور منذ الأيام الأولى لخلافته حنكة سياسية وبأسًا عسكريًا مكناه من تثبيت أركان حكمه. حيث قام بحملة عسكرية سريعة ضد عمه المتمرد، واستطاع هزيمته في معركة نصيبين عام 137هـ/755م.

لم يكتفِ المنصور بهذه الهزيمة العسكرية، بل عمل على تجفيف منابع القوة التي يمكن أن يعتمد عليها خصومه. فقام بتعيين ولاة مخلصين له في الأقاليم المهمة، وعزل كل العناصر المشبوهة في الجيش والإدارة.

 

أهم أعمال وإنجازات أبو جعفر المنصور

يُعتبر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، أحد أهم حكام الدولة العباسية على الإطلاق. خلال 22 سنة من حكمه، استطاع تحويل الدولة الفتية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف.

تأسيس النظام الإداري المركزي

قام المنصور ببناء هيكل إداري متين للدولة العباسية، حيث طور نظام الدواوين وخاصة ديوان الخراج الذي كان مسؤولاً عن إدارة الموارد المالية للإمبراطورية. وأنشأ نظامًا دقيقًا للمراقبة والمساءلة الإدارية، وعين حرسًا خاصًا (الحجاب) لضمان أمن الخليفة وسلطته.

كما اهتم المنصور بتطوير النظام القضائي من خلال تعيين قضاة أكفاء في مختلف الأمصار. وأسس لمبدأ استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية. وكان يشدد على محاربة الفساد الإداري وضمان العدل بين الرعية.

بناء عاصمة الخلافة بغداد

يعد تأسيس مدينة بغداد بين عامي 145-149هـ/762-766م من أعظم إنجازات المنصور. اختار موقعها الاستراتيجي بين نهري دجلة والفرات لتصبح مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا للعالم الإسلامي. وصممت المدينة بشكل دائري فريد مع أسوار ضخمة وأبراج مراقبة.

كما شهد عهده بناء شبكة طرق تجارية رئيسية وقنوات مائية متطورة. فأنشأ الخانات (محطات استراحة القوافل) والأسواق المتخصصة التي ساهمت في ازدهار الحركة التجارية.

مواجهة التمردات الداخلية

تمكن المنصور من قمع عدة ثورات هددت استقرار الدولة، منها تمرد عمه عبد الله بن علي عام 137هـ/754م. وثورة محمد النفس الزكية العلوي عام 145هـ/762م. كما واجه بحزم حركات الخوارج في العراق والمغرب.

حماية حدود الدولة

اهتم المنصور بتأمين حدود الدولة من خلال تحصين الثغور مع الإمبراطورية البيزنطية وإرسال الحملات العسكرية إلى شمال أفريقيا. كما راقب تحركات الأمويين الفارين إلى الأندلس.

تشجيع العلم وحركة الترجمة

بدأ المنصور سياسة دعم الترجمة من اللغات الفارسية واليونانية والهندية. وأشرف شخصيًا على ترجمة أعمال مهمة مثل كتاب كليلة ودمنة، مما أسس لحركة علمية كبيرة في العصور اللاحقة.

كما اهتم بالعلماء والمفكرين، حيث استقدم إلى بلاطه كبار الفقهاء مثل أبي حنيفة النعمان والمترجمين مثل ابن المقفع. وشجع الدراسات الطبية والفلسفية.

تنظيم النظام المالي والحركة التجارية

أجرى أبو جعفر المنصور إصلاحات شاملة في النظام المالي للدولة، بما في ذلك نظام الضرائب (الخراج) ورواتب الجند والموظفين. وأدخل تحسينات كبيرة على نظام العطاء.

عمل أيضًا، على تأمين طرق التجارة الداخلية والخارجية، وأصدر عملة موحدة (الدينار العباسي) لتنظيم المعاملات المالية. وأنشأ المراكز التجارية الكبرى في بغداد وغيرها من المدن.

 

مرض أبو جعفر المنصور

في السنوات الأخيرة من خلافته، بدأ أبو جعفر المنصور يعاني من تدهور ملحوظ في صحته. تشير المصادر التاريخية أن الخليفة العباسي أصيب بمرض مزمن في جهازه الهضمي. وعانى خلاله من نوبات متكررة من الألم الشديد والضعف العام. كان المنصور الذي بلغ الثالثة والستين من عمره يدفع ثمن سنوات الحكم الطويلة المليئة بالجهد والعمل الدؤوب.

وعلى الرغم من تردي حالته الصحية، أصر المنصور في عام 158هـ على أداء فريضة الحج. ورفض نصائح أطبائه بالبقاء في بغداد، وقرر القيام بهذه الرحلة الشاقة. خلال الطريق إلى مكة، اشتدت عليه وطأة المرض، حيث عانى من آلام مبرحة في معدته وضعف عام في جسده.

وعندما وصل موكب الخليفة إلى مكان يدعى “بئر ميمون” على بعد خمسين كيلومترًا من مكة، أصبح غير قادر على متابعة الرحلة. ويصف ابن كثير في البداية والنهاية كيف احتجب المنصور في خيمته، بينما تجمع حوله أبناؤه وكبار رجال الدولة. وأمضى الخليفة أيامه الأخيرة في هذا المكان بين الحياة والموت، محاطًا بأقرب المقربين إليه.

وفي تلك الأيام العصيبة، استدعى المنصور ابنه وولي عهده المهدي وأوصاه بوصايا سياسية بالغة الأهمية. ونصحه بالحفاظ على وحدة الدولة وقمع أي تمرد، والاهتمام بشؤون الرعية وإقامة العدل بينهم. كما حذره من الأعداء الخارجيين وخاصة البيزنطيين.

 

وفاة أبو جعفر المنصور

في شهر ذي الحجة من عام 158هـ، أسلم أبو جعفر المنصور الروح في بئر ميمون بعد معاناة طويلة مع المرض. وتم تغسيل جثمانه وتكفينه في نفس المكان، ثم نقل إلى مكة حيث صلى عليه ابنه المهدي بحضور جمع من كبار الدولة. ودفن الخليفة في مقبرة المعلاة بالقرب من جبل الحجون، ليختتم بذلك فصلًا من أهم فصول التاريخ العباسي.

وأثار نبأ وفاة المنصور ردود فعل متباينة في أنحاء الدولة العباسية. بينما حزن العباسيون لفقدان المؤسس الحقيقي لدولتهم، اختلفت مشاعر عامة الناس بين من أحبه لعدله وإنجازاته، ومن كرهه لشدته وصلابته. وفي الأقاليم البعيدة، ساد القلق من احتمال حدوث اضطرابات مع رحيل الرجل الذي حكم بيد من حديد لأكثر من عقدين.

وترك أبو جعفر المنصور إرثًا ضخمًا، وخزينة عامرة وعاصمة مزدهرة. وكانت وفاته نهاية لحاكم استثنائي، لكنها كانت بداية لعصر ازدهار عباسي كان هو من وضع أسسه.

 

 

 

المصادر:

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

ابن كثير: البداية والنهاية.

الطبري: تاريخ الأمم والملوك.

الذهبي: تاريخ الإسلام.

البلاذري: فتوح البلدان.

ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر

الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد.

 

 

الوسوم :

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة

عرض جميع المقالات