كانت معركة الجسر بين الإمبراطورية الفارسية والمسلمين في عهد عمر بن الخطاب، في 23 شعبان سنة 13 من الهجرة. وقد تعرض فيها الجيش الإسلامي لهزيمة كبيرة رغم انتصاراته السابقة. وكانت المعركة ضمن سلسلة معارك العراق ضد الفرس والتي بدأت منذ عهد خليفة رسول الله أبي بكر الصديق. وكان المثنى بن حارثة أول من بدأ محاربة الفرس وقام بعدة غارات ناجحة عليهم.

 

خلفية تاريخية

بعد انتهاء حروب الردة أرسل أبو بكر، خالد بن الوليد ثم عياض بن غنم على رأس جيشين إلى العراق. وقامت عدة معارك بين الجيش الإسلامي وبين الفرس مثل معركة ذات السلاسل ومعركة الولجة ومعركة الفراض. كما نجح المسلمون في فتح عدة مدن عراقية مثل، أليس والحيرة والأنبار ودومة الجندل.

ثم أمر أبو بكر خالد بن الوليد بالتوجه إلى الشام، وأخذ معه نصف الجيش، فضعف الجيش الإسلامي في العراق، وحصلت حالة ركود في الفتح. لكن نجح المثنى بن حارثة في الحفاظ على ما فتحه المسلمون. وتم استئناف حركة الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب، الذي دعا إلى النفير العام وحشد جيشًا بقيادة أبي عبيدة الثقفي وأرسله إلى المثنى بن حارثة.

دخل الفرس والمسلمون في معارك كثير، كان النصر فيها حليفًا للمسلمين. فانتصروا في معركة النمارق بقيادة أبو عبيدة الثقفي في 8 شعبان سنة 13 من الهجرة. وانتصروا أيضًا في معركة السقاطية وباقسياثا في 12 شعبان من نفس العام، وتعرض الفرس لهزيمة ساحقة.

 

التجهيز لـ معركة الجسر

بعد انتصارات المسلمين المتلاحقة، شعر الفرس بالغضب لهزيمتهم أمام أعداد أقل بكثير من أعدادهم. لذلك حشدوا جيشًا كبيرًا، قيل أنه 70 ألف جندي بقيادة “بهمن جاذويه” وهو أكبر قادة الفرس. واعتمد الفرس على الفيلة في هذه المعركة، والتي كانت تلعب دورًا كبيرًا في ترهيب خيل المسلمين.

لما علم أبو عبيدة بقدوم جيش الفرس، عسكر بجيشه في شمال الحيرة، بمنطقة تسمى “قس الناطف”. وقف المسلمون على الجانب الغربي من نهر الفرات، بينما وقف الفرس على الجانب الشرقي من النهر. وكان بين الضفتين جسر عائم فوق النهر، قد بناه الفرس. ولما وصل بهمن جاذويه للضفة أرسل للمسلمين قائلًا: “إما أن نعبر إليكم، وإما أن تعبروا إلينا”.

كان عمر بن الخطاب قد أمر أبا عبيدة باستشارة الصحابة الذين برفقته قبل اتخاذ أي قرار. ولما وصله الرسول قال “والله لا أتركهم يعبرون ويقولون: إنا جَبُنَّا عن لقائهم”. وقد قال ذلك، على الرغم من أن الصحابة قد نصحوه بعدم عبور النهر، وقالوا له: “كيف تعبر إليهم وتقطع على نفسك خط الرجعة، فيكون الفرات من خلفك؟!”.

كان هذا القرار خطأ كبير ارتكبه أبو عبيدة، سيكلفه حياته لاحقًا. لأن العرب يجيدون القتال على أرض الصحراء، مع الحفاظ على خط الرجوع في حالة الانسحاب. وهذه الطريقة في التخطيط للحرب كانت دائمًا سبب انتصارهم في المعارك. عبر الجيش الإسلامي النهر وتكدس في مكان صغير، وفق خطة الفرس.

 

أحداث معركة الجسر

لما عبر المسلمون النهر، وجدوا جيش الفرس برفقته 10 أفيال على رأسهم الفيل الأبيض، أشهر أفيال فارس في الحروب. تقدم الفرس وضغطوا على جيش المسلمين، ولعبت الفيلة دورًا كبيرًا في الضغط على الخيل وإرهابه. بدأ خيل المسلمين يرتعب ويتراجع إلى الخلف، ووجد المسلمون أنفسهم بين الفيلة التي داهمت المشاة وبين النهر خلفهم، فأصبحوا في ضيق شديد.

ورغم ذلك، قرر أبو عبيدة استكمال الحرب وعدم الانسحاب، وقاتل بشجاعة فائقة. على الرغم أن الانسحاب كان سينقذ المسلمين، مثلما فعل خالد بن الوليد في معركة المذار. واضطر المسلمون للاستغناء عن الخيل، وحاربوا الفرس مشاة. وظل أبو عبيدة يتقدم باتجاه الفيل لقتله، رغم محاولة من معه لحمايته لأنه أمير الجيش. نجح بالفعل بالوصول للفيل، وقطع أحزمته وسقط القائد الذي يعتليه. ولم يتوانى لحظة، واستمر في ملاحقة الفيل، وعندما شعر بصعوبة الأمر قال: “إن أنا مِتُّ، فإمرة الجيش لفلان ثم لفلان ثم لفلان”

لكن الفيل صارعه، حتى أوقعه أرضًا وداس عليه بأقدامه، فمزقه أشلاء. وبمقتل أبي عبيدة تعرض المسلمون لصدمة كبيرة. ثم تولى القادة الجيش من بعده، وقاتلوا بشجاعة حتى قُتِلوا. وقد قُتِل ثلاثة من أبناء أبي عبيدة، وأخيه الحكم بن مسعود.

 

انسحاب المسلمين

تولى المثنى قيادة الجيش، ولكن كان الموقف في غاية الصعوبة. وفي الوقت الذي حاول فيه الجنود الفرار والانسحاب عبر الجسر إلى الضفة الأخرى، كان عبد الله بن مرثد الثقفي قد قطع الجسر بسيفه وقال: “والله لا يفِرُّ المسلمون من المعركة؛ فقاتلوا حتى تموتوا على ما مات عليه أميركم”. ولما علم المثنى بما فعله ضربه وقال له: “ماذا فعلت بالمسلمين؟ فقال: إني أردت ألا يفرَّ أحد من المعركة. فقال له: إن هذا ليس بفرار”.

استمر الفرس والمسلمون في القتال، لكن المثنى قد كلف بعض الجنود بإصلاح الجسر، حتى يستطيعوا العبور. ولما نجح الجنود في إصلاحه، بدأ المثنى في توجيه أمره بالانسحاب. ثم وقف ومعه بعض الجنود لحماية الجسر حتى يعبر كامل الجيش قبل أن يقطعه الفرس.

عبر المسلمون الجسر ما بين قتيل وغريق وجريح. وكان المثنى آخر من عبر الجسر، ثم قطعه حتى لا يلاحقهم الفرس. وفي صباح اليوم التالي، كان قد فرَّ ما تبقى من المسلمين. وقد استشهد في معركة الجسر 4000 آلاف مسلم، منهم الكثير من ثقيف، وممن شهدوا بدر وأحد مع رسول الله.

 

 

المصادر:

الطبري: تاريخ الأمم والملوك.

الحموي: معجم البلدان.

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

سهيل طقوش: : تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية.

 

 

الوسوم :

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة

عرض جميع المقالات