اشتهر العصر العباسي بالازدهار الثقافي والعلمي والسياسي، وكان الخليفة هارون الرشيد أحد أبرز حكام هذه الدولة، حيث حكم من عام 170 إلى 193 هـ (786 – 809 م). تميز عهده بالقوة العسكرية، والتقدم الحضاري، والعلاقات الدبلوماسية مع دول العالم، مما جعل فترة حكمه تُعرف بـ “العصر الذهبي” للخلافة العباسية.
نسبه ونشأته
ينتمي هارون الرشيد إلى بني العباس، حيث يُعد الخليفة الخامس في الدولة العباسية. وهو أبو جعفر هارون بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. مما يعني أنه من سلالة العباس عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ورث عن أسلافه حُكم إمبراطورية واسعة امتدت من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى.
وُلد هارون الرشيد في مدينة الري (جنوب طهران حاليًا) سنة 149 هـ / 766 م، في عهد جده الخليفة أبو جعفر المنصور. نشأ في بيئة مترفة ومليئة بالعلم والسلطة، حيث كان والده محمد المهدي وليًا للعهد، ثم أصبح خليفة فيما بعد. أما أمه، فهي الخيزران، التي كانت ذات نفوذ قوي في القصر العباسي، وكانت معروفة بحكمتها وتأثيرها السياسي.
ذكر المؤرخ المسعودي في “مروج الذهب” أن الخيزران لعبت دورًا كبيرًا في تربية هارون وأخيه موسى الهادي، حيث حرصت على تعليمهما القرآن والفقه والأدب، إضافة إلى الفروسية وفنون القتال.
تلقى هارون الرشيد تعليمًا مميزًا، حيث درس على يد كبار العلماء في عصره، مثل:
الكسائي، أحد أئمة النحو واللغة.
أبو يوسف، تلميذ أبي حنيفة النعمان وأول من تولى منصب قاضي القضاة في الدولة العباسية.
كما أتقن الفروسية والمهارات العسكرية في سن مبكرة، حيث شارك في أولى حملاته العسكرية ضد البيزنطيين وهو في الخامسة عشرة من عمره. وقد أظهر شجاعة كبيرة، مما دفع والده المهدي إلى منحه لقب “الرشيد” تقديرًا لحكمته ونضجه المبكر.
ولاية العهد وطريقه إلى الحكم
كان الخليفة العباسي محمد المهدي أول من أرسى نظام ولاية العهد المزدوج في الدولة العباسية. فبعد أن عين ابنه الأكبر موسى الهادي وليًا أول للعهد، حرص على تعيين ابنه الأصغر هارون الرشيد وليًا ثانيًا للعهد سنة 166هـ/782م. وذلك بعد نجاح هارون في قيادة حملة عسكرية ضد البيزنطيين.
ويذكر الطبري في تاريخه أن المهدي قد استشار كبار رجال الدولة في هذا الأمر، حيث عارض بعضهم. إلا أن المهدي أصر على قراره بدعم من زوجته الخيزران التي كانت تفضل هارونًا.
وتشير المصادر التاريخية مثل “مروج الذهب” للمسعودي إلى أن علاقة الهادي بأخيه هارون شابها التوتر منذ البداية، ويعود ذلك لعدة أسباب:
تدخل الخيزران: حيث كانت الأم تميل بوضوح لصالح هارون، مما أثار حفيظة الهادي.
دور البرامكة: إذ كان هارون مقربًا من أسرة البرامكة القوية، بينما حاول الهادي الحد من نفوذهم.
الخلاف حول السياسة: حيث فضل الهادي نهجًا أكثر تشددًا بينما مال هارون لسياسة أكثر اعتدالًا.
وعندما تولى الهادي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 169هـ/785م، حاول فورًا إلغاء ولاية عهد هارون لصالح ابنه جعفر. ويذكر ابن الأثير في “الكامل” أن الهادي استدعى هارونًا وأمره بالتخلي عن ولاية العهد، بل وهدده بالقتل إذا رفض. لكن هارون تلقى دعمًا قويًا من:
الخيزران أمه التي حشدت المؤيدين له.
يحيى البرمكي الذي أقنع هارونًا بعدم التنازل.
قادة الجيش الذين كانوا يفضلون هارونًا.
تولي هارون الرشيد الخلافة
توفي الخليفة العباسي موسى الهادي سنة 170هـ/786م بعد حكم دام أقل من عام واحد فقط. وقد أحاطت الظروف الغامضة بوفاته، حيث اختلف المؤرخون في تحديد سبب الوفاة. يذكر الطبري في تاريخه أن الهادي توفي بسبب مرض مفاجئ، بينما يشير المسعودي في “مروج الذهب” إلى احتمال تورط أمه الخيزران في وفاته بسبب خلافاتهما السياسية. أما ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” فيروي أن الهادي مات غضبًا بعد مشادة مع بعض حاشيته.
بعد وفاة الهادي، تولى هارون الرشيد الخلافة دون معارضة تذكر. حيث بايعه كبار رجال الدولة والقادة العسكريين في 15 ربيع الأول 170هـ/14 سبتمبر 786م. ويذكر اليعقوبي في تاريخه أن البيعة تمت في الرصافة بحضور كبار رجال الدولة مثل يحيى البرمكي الذي أصبح وزيرًا لهارون. وقد حرص هارون في بداية حكمه على تهدئة الأوضاع بعد فترة حكم أخيه القصيرة والمضطربة. وقام الرشيد بعدة إجراءات لترسيخ حكمه، منها:
تعيين يحيى البرمكي وزيرًا رئيسيًا للدولة.
إعادة تنظيم الجيش وتعزيز الحدود مع البيزنطيين.
تحسين العلاقات مع العلويين بعدما كانت متوترة في عهد الهادي.
ويشير الذهبي أن هارون بدأ عهده بحكمة واعتدال، مستفيدًا من تجربة أخيه السلبية في الحكم.
عقد ولاية العهد لابنه الأمين
في سنة 175هـ/791م، أي بعد خمس سنوات من توليه الخلافة، عقد هارون الرشيد ولاية العهد لابنه محمد الأمين الذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات فقط. ويذكر ابن خلدون أن هذا القرار جاء تحت ضغط من زوجته زبيدة التي كانت أم الأمين، ومن كبار القادة في الدولة. ولضمان استقرار الدولة، أضاف هارون طبقة أخرى إلى نظام ولاية العهد حيث عين:
الأمين وليًا أول للعهد.
عبد الله المأمون (ابن آخر من أم فارسية) وليًا ثانيًا للعهد.
وأمر هارون الرشيد بكتابة وثيقة رسمية لولاية العهد، وصفها الطبري بأنها كانت مفصلة ودقيقة. وقد أشهد عليها كبار رجال الدولة والعلماء، ونصت على:
توريث الخلافة للأمين ثم المأمون.
تقسيم أملاك الدولة بينهما.
تحديد صلاحيات كل منهما.
ويذكر ابن مسكويه في “تجارب الأمم” أن هذه الوثيقة أُعلنت في الحرم المكي أمام حشد كبير من الناس، مما أعطاها شرعية دينية وسياسية. لكن أدى نظام ولاية العهد المزدوج إلى:
تنافس بين الأخوين الأمين والمأمون منذ الصغر.
انقسام في البلاط العباسي بين مؤيدي كل منهما.
تأسيس قوتين متوازيتين في بغداد (للأمين) ومرو (للمأمون).
ويشير المسعودي إلى أن هذا القرار كان بداية النزاع الذي أدى لاحقًا إلى الحرب الأهلية بين الأخوين بعد وفاة هارون الرشيد.
أهم أعمال وإنجازات هارون الرشيد
شهد عهد هارون الرشيد توسعًا كبيرًا للنفوذ العباسي، حيث قاد بنفسه عدة حملات عسكرية:
في عام 165هـ/781م (قبل توليه الخلافة) قاد حملة وصلت إلى خلقيدونية مقابل القسطنطينية، وأجبر الإمبراطورة إيرين على دفع جزية سنوية.
في 187هـ/803م أرسل حملة كبرى بقيادة عبد الملك بن صالح ففتحت عدة حصون بيزنطية.
كما قمع الثورات في خراسان وإقليم الزاب، وأرسل حملات إلى أرمينيا وأجزاء من أسيا الصغرى لتأمين الحدود.
طور نظام الوزارة واعتمد على أسرة البرامكة في إدارة الدولة حتى سنة 187هـ/803م.
قسم الدولة إلى 24 ولاية لكل منها نظام إداري مستقل.
عين أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة أول قاضي قضاة في التاريخ الإسلامي.
أصدر كتاب “الخراج” الذي نظم الضرائب والقضاء.
أسس بيت الحكمة في بغداد الذي أصبح أهم مركز للترجمة والبحث العلمي.
جلب المترجمين والعلماء من مختلف أنحاء العالم. وازدهرت حركة ترجمة كتب اليونان والفرس. ومن أبرز العلماء في عهده: سيبويه، جابر بن حيان، الخليل بن أحمد.
وسع عمارة بغداد وأنشأ القصور والحدائق، وبنى قصر الرصافة على الجانب الشرقي من دجلة.
أول من أنشأ طريق الحج من بغداد إلى مكة مع محطات وبرك للماء.
وسع المسجد الحرام واهتم بخدمة الحجاج.
أقام علاقات تجارية مع الصين عبر طريق الحرير، واستقبل وفودًا من الهند والسند.
نكبة البرامكة في عصر هارون الرشيد
شهدت السنوات الأولى من خلافة هارون الرشيد صعودًا متسارعًا لأسرة البرامكة في أروقة السلطة العباسية. كان الفضل في هذا الصعود يعود إلى يحيى البرمكي الذي عمل وزيرًا للرشيد ومربيًا له منذ الصغر. وتمكن يحيى وأبناؤه من السيطرة على أهم المناصب في الدولة، حيث تولى جعفر البرمكي منصب الوزارة، بينما عُين الفضل البرمكي واليًا على خراسان.
وتمتع البرامكة بنفوذ واسع في عهد الرشيد يعود لعدة عوامل. أولاً، كانت ثقة الخليفة المطلقة بيحيى البرمكي الذي كان بمثابة الأب الروحي له. ثانيًا، تمكن أفراد الأسرة من السيطرة على مفاصل الدولة الإدارية والمالية. ثالثًا، امتلكوا ثروات طائلة مكنتهم من بناء القصور الفاخرة وتشكيل حاشية كبيرة.
لكن بدأت العلاقة بين الرشيد والبرامكة تشهد توترًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة من حكمهم. يذكر ابن الأثير في الكامل أن جعفر البرمكي تجاوز حدوده في استعمال السلطة، كما تدخل في شؤون العائلة الحاكمة خاصة فيما يتعلق بمسألة ولاية العهد. الأكثر خطورة كان محاولة البرامكة الاستئثار بالسلطة وإبعاد الآخرين عن مراكز القرار، مما أثار مخاوف الخليفة من تنامي نفوذهم.
في ليلة مشهودة من جمادى الآخرة سنة 187هـ، أصدر هارون الرشيد أوامره بالقضاء على البرامكة. بحسب رواية الطبري، تم إعدام جعفر البرمكي فورًا وتعليق جثته على جسر بغداد لإرهاب الآخرين. أما يحيى البرمكي وابنه الفضل فقد سجنا حتى الموت. وصادر الخليفة جميع أملاكهم التي تقدر بملايين الدنانير.
وفاة هارون الرشيد: نهاية عصر ذهبي
توفي الخليفة العباسي هارون الرشيد في الثالث من جمادى الآخرة سنة 193هـ، في مدينة طوس (مشهد الحالية بإيران). وكان ذلك أثناء قيادته لحملة عسكرية لقمع تمرد في خراسان. توفي الرشيد إثر مرض مفاجئ اشتد به أثناء رحلته، حيث أصيب بآلام شديدة في البطن تطورت سريعًا حتى أودت بحياته.
كانت وفاة الرشيد نهاية حقبة ذهبية استمرت 23 عامًا. حيث انتقلت الخلافة من عصر القوة والازدهار إلى مرحلة من الاضطرابات والصراعات الداخلية. وقد وصف ابن الأثير جنازة الرشيد بأنها كانت بسيطة وفقًا لرغبته، حيث حُمل جثمانه على نعش مغطى ببردته الشهيرة ودفن في مكان غير معلن للعامة في بادئ الأمر.
المصادر:
الطبري: تاريخ الرسل والملوك.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ.
اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي.
المسعودي: مروج الذهب.
الذهبي: سير أعلام النبلاء.
ابن خلدون. المقدمة.
الخطيب البغدادي:، تاريخ بغداد.
ابن مسكويه: تجارب الأمم.
التعليقات
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
اترك تعليق