شهد عام 132هـ/750م حدثًا مفصليًا في التاريخ الإسلامي بتولي أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي السفاح الخلافة، ليصبح أول خليفة عباسي. جاء هذا التحول بعد ثورة دامت ثلاثين عاماً ضد الحكم الأموي، حيث استطاع العباسيون إقامة دولة جديدة غيرت وجه التاريخ الإسلامي.

 

نسبه ونشأته

وُلد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في عام 104هـ/722م، في قرية الحميمة الواقعة جنوب الأردن. ونشأ في كنف أسرة علمية ودعوية، حيث كان والده محمد بن علي أحد أبرز منظمي الحركة العباسية السرية. عاش طفولته في هذه القرية النائية التي تحولت إلى مركز سري للدعوة العباسية، بعيدًا عن عيون السلطة الأموية.

ينحدر أبو العباس السفاح من سلالة العباس بن عبد المطلب، عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما منحه شرعية دينية وسياسية في البيئة الإسلامية آنذاك. وكان هذا النسب الهاشمي أحد الركائز الأساسية التي اعتمدت عليها الدعوة العباسية في تحركها ضد الأمويين. يذكر المؤرخ ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” أن “نسبه الشريف كان محط أنظار المسلمين الذين سئموا حكم بني أمية”.

تلقى أبو العباس تعليمًا مميزًا في الحميمة، حيث:

درس القرآن والحديث النبوي.

تعلم فنون الخطابة والمناظرة.

أتقن علوم السياسة والإدارة.

تشرّب فكر الثورة على الأمويين.

ترعرع أبو العباس في فترة حرجة من التاريخ الإسلامي، حيث اشتداد الظلم الأموي، وانتشار السخط الشعبي، وتزايد ثورات العلويين، وبداية التحضير للثورة العباسية. وكانت هذه الظروف سببًا في تشكيل وعيه السياسي وتغذية روح التمرد لديه ضد النظام القائم. فكان يتميز بالذكاء الحاد، والفطنة السياسية، والقدرة على كسب الولاءات، والحزم وقوة التحمل. ويصفه الطبري في تاريخه بأنه “كان فطنًا حازمًا، قد هيأه الله للخلافة منذ صغره”.

 

قيادته للثورة العباسية ضد بني أمية

يعد أبو العباس السفاح الشخصية المحورية في نجاح الثورة العباسية التي غيرت مسار التاريخ الإسلامي. لم يكن دوره قاصرًا على تولي الخلافة بعد نجاح الثورة، بل كان أحد أهم مهندسيها منذ أيامها الأولى. وتميز السفاح برؤية استراتيجية فذة وقيادة حكيمة مكنته من تحويل الدعوة السرية إلى ثورة شاملة أنهت حكم بني أمية للأبد.

قبل إشهار الثورة، قضى أبو العباس سنوات عديدة في العمل السري مع إخوته وأعمامه لبناء التنظيم الثوري. كان أحد أبرز قادة “الدعوة السرية” التي استمرت ثلاثين عامًا، حيث تولى مهمة التنسيق بين الخلايا العباسية المنتشرة في خراسان والعراق. يذكر الطبري في تاريخه أن أبا العباس “كان يتردد بين الكوفة وخراسان متنكرًا لتفقد أحوال الدعاة”.

وعندما تحولت الدعوة السرية إلى ثورة مسلحة عام 129هـ، برز أبو العباس كقائد عسكري بارع. قاد بنفسه عدة معارك حاسمة ضد القوات الأموية، وأظهر مهارة فائقة في التخطيط الاستراتيجي. وكان له دور رئيسي في انتصار الثوار في معركة الزاب الكبرى عام 132هـ التي شكلت الضربة القاضية للدولة الأموية. يصف ابن الأثير هذه المعركة بأنها “اليوم الذي أذن الله فيه بزوال ملك بني أمية”.

 

ملاحقة أبو العباس السفاح لأمراء بني أمية

بعد انتصار الثورة، اتبع أبو العباس سياسة حاسمة تجاه بقايا الأسرة الأموية. لم يكتف بمجرد الإطاحة بهم من السلطة، بل عمل على اقتلاع جذور نفوذهم بشكل منهجي. حيث أمر بمطاردة الأمراء الأمويين في كل الأقاليم، وأعدم معظم من أمسك بهم.

لم يكن هذا الإجراء مجرد انتقام سياسي عابر، بل كان عملية ممنهجة لضمان عدم عودة الأمويين إلى السلطة مرة أخرى. لقد أدرك السفاح بحنكته السياسية أن بقاء أي من الأمراء الأمويين على قيد الحياة يشكل تهديدًا وجوديًا لدولته الفتية.

وبدأت حملة الملاحقة الشاملة بعد معركة الزاب الكبرى مباشرة، حيث أمر السفاح بتشكيل فرق خاصة مهمتها تتبع كل أمير أموي في كل بقعة من بقاع الدولة الإسلامية. لم تكن هذه المهمة سهلة، إذ فر العديد من الأمراء الأمويين إلى أطراف الدولة البعيدة، خاصة مصر والأندلس. ووصلت الحملة ذروتها في مصر عندما قبض القائد عبد الله بن علي على الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد وقتله، ثم أرسل رأسه إلى السفاح في الكوفة.

بالرغم من نجاح السفاح في القضاء على كل الأمراء الأمويين، إلا أن عبد الرحمن الداخل نجح في الهرب إلى الأندلس وأسس الدولة الأموية هناك. لكن هذا لم يقلل من نجاح الخطة العباسية في المشرق الإسلامي. لقد حقق السفاح هدفه الرئيسي المتمثل في تأمين حكمه وتثبيت دعائم الدولة الجديدة. مما مهد الطريق لأخيه أبي جعفر المنصور ليكمل مسيرة البناء والتأسيس.

 

تولي أبو العباس السفاح الخلافة

في ظهيرة يوم الجمعة الموافق 12 ربيع الأول عام 132 للهجرة، اجتمع آلاف المسلمين بين جدران المسجد العريق ليشهدوا لحظة تتويج أول خليفة عباسي، أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح. وكانت الأجواء مشحونة بمشاعر مختلطة من الأمل والخوف، حيث وقف أبو العباس أمام الجموع المحتشدة مرتديًا عباءة سودا (لون راية العباسيين) حاملًا سيف الخلافة المغمد كرمز للسلطة والعدل.

وبدأت المراسم الرسمية بمبايعة كبار قادة الثورة العباسية، حيث كان أول المبايعين عم الخليفة الجديد داود بن علي. تلاه بقية أفراد الأسرة العباسية وقادة الجيش والدعاة الذين لعبوا أدوارًا محورية في إنجاح الثورة. ثم توالت بيعات الأعيان والعلماء وأشراف القبائل، في مشهد مهيب وصفه المؤرخ ابن الأثير بأنه “أعظم بيعة شهدها الإسلام منذ أيام الخلفاء الراشدين”.

وقف أبو العباس السفاح ليلقي خطبة العرش التي حدد فيها معالم الدولة الجديدة، مبتدئًا بالثناء على الله والصلاة على رسوله. ثم استعرض مظالم الدولة الأموية التي دفعت المسلمين للثورة. وقال بصوته الجهوري: “أيها الناس، إنا والله ما خرجنا طلبًا للدنيا ولا رغبة في الملك، وإنما أخرجنا أن نطلب بإخواننا المستضعفين”. وأكد في خطبته على مبدأ الشرعية الدينية لخلافته مستندًا إلى قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم.

واتسمت مراسم التتويج بالبساطة المقصودة، بعيدًا عن مظاهر الترف الأموي. في محاولة واضحة لاستمالة عامة الناس الذين سئموا حياة البذخ التي عرف بها بعض الخلفاء الأمويين. وحرص أبو العباس على إظهار نفسه كخليفة للجميع، لا كزعيم طائفي. فخصص جزءً من خطبته للحديث عن العدل والمساواة بين جميع المسلمين بغض النظر عن أصولهم العرقية أو القبلية.

 

أهم أعماله وإدارته للدولة

بعد تأسيس الدولة العباسية والقضاء على بني أمية، تفرغ أبو العباس السفاح لتثبيت أركان دولته. فقام بالتالي:

إعادة هيكلة الجهاز الإداري

قام الخليفة العباسي الأول بإعادة تنظيم الجهاز الحكومي بشكل كامل، حيث

أسس نظاماً ديوانيًا جديدًا.

أعاد تنظيم القضاء والشرطة.

طور نظام البريد والاتصالات.

نظم جباية الأموال والضرائب.

واعتمد في إدارته على مزيج من الكفاءات العربية والفارسية، مما ساعد على استقطاب المواهب من مختلف أقاليم الدولة.

التوجه العمراني وبناء العواصم

شرع أبو العباس في بناء عاصمة جديدة للدولة في الأنبار شمال الكوفة، والتي عُرفت باسم “الهاشمية”. وكان هذا المشروع العمراني الكبير يهدف إلى:

إيجاد مركز سياسي جديد بعيدًا عن مراكز القوى التقليدية.

تأسيس مدينة تعبر عن هوية الدولة الجديدة.

توفير مقر مناسب لأجهزة الحكم المتطورة.

 

السياسة المالية والاقتصادية

وضع الخليفة نظامًا ماليًا متطورًا يعتمد على:

إصلاح نظام العطاء.

تنظيم موارد الدولة.

تطوير الزراعة والتجارة.

إعادة توزيع الثروات بشكل أكثر عدالة.

كما اهتم بشكل خاص بتحسين أوضاع الفلاحين وتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الرعية.

السياسة العسكرية والأمنية

أسس أبو العباس جيشًا نظاميًا قويًا، حيث:

أعاد تنظيم الجيش على أسس جديدة.

وحد القوات العسكرية تحت قيادة مركزية.

أنشأ حرسًا خاصًا للخليفة.

عزز الأمن في الطرق التجارية.

الإرث الثقافي والعلمي

رغم قصر فترة حكمه، إلا أن أبا العباس وضع اللبنات الأولى للنهضة العلمية العباسية، حيث:

شجع العلماء والأدباء.

اهتم باللغة العربية وآدابها.

بدأ في جمع التراث العلمي.

هيأ الأجواء لظهور حركة الترجمة الكبرى.

وتمكن أبو العباس السفاح في فترة وجيزة من تحقيق إنجازات ضخمة تؤهله لأن يكون في مصاف كبار المؤسسين في التاريخ الإسلامي. لم يكتف بإسقاط الدولة الأموية، بل وضع نظامًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا متكاملًا استمر لقرون. وكانت رؤيته الثاقبة وقدرته على تحويل الثورة إلى دولة هي العامل الحاسم في استمرارية الخلافة العباسية وازدهارها اللاحق.

 

وفاة أبو العباس السفاح

رحل أبو العباس السفاح عن الدنيا في شهر ذي الحجة عام 136 هـ الموافق يونيو 754م، بعد أربع سنوات فقط من توليه الخلافة. كانت وفاته مفاجئة للكثيرين، إذ لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره. وتوفي في قصره بالأنبار، العاصمة التي أسسها شمال الكوفة، بعد صراع قصير مع المرض.

تشير المصادر التاريخية إلى أن سبب الوفاة كان الجدري، الذي انتشر في تلك الفترة في المنطقة. قضى السفاح أيامه الأخيرة في فراش المرض، بينما كان يشرف على ترتيبات ولاية العهد لأخيه أبي جعفر المنصور. وفي لحظاته الأخيرة، جمع كبار رجال الدولة وأوصاهم بالتمسك بالدين وطاعة الخليفة الجديد.

 

 

المصادر:

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

ابن كثير: البداية والنهاية.

الطبري: تاريخ الأمم والملوك.

السيوطي: تاريخ الخلفاء.

 

 

الوسوم :

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة

عرض جميع المقالات