الخليفة العباسي أبو عبد الله المهدي، هو ثالث الخلفاء العباسيين، حكم من 775م إلى 785م. يعتبر عهده مرحلة مهمة في تطور الدولة العباسية، حيث شهدت توسعًا إداريًا وثقافيًا واقتصاديًا.
نسب الخليفة المهدي
ينتمي أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور إلى بني العباس، فهو محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. مما يعني أنه من سلالة العباس عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
والده هو الخليفة الثاني للدولة العباسية أبو جعفر المنصور. وأمه هي أم موسى بنت منصور الحميرية، وهي من أصول يمنية، مما أضاف إلى نسبه مكانة اجتماعية مرموقة.
نشأته وطفولته
وُلد المهدي في العام 127هـ/745م في منطقة الحميمة في الأردن، والتي كانت معقلاً للدعوة العباسية قبل انتصارهم على الأمويين. نشأ في كنف والده المنصور، الذي كان يُعدّه منذ الصغر ليتولى المناصب المهمة في الدولة. وقد حرص أبوه على تعليمه العلوم الشرعية والأدب والفصاحة، بالإضافة إلى الفنون العسكرية والإدارية، مما جعله مؤهلاً لقيادة الدولة فيما بعد.
عاش المهدي طفولة مميزة في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها الدولة الإسلامية، حيث شهد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية. وقد رافق والده في العديد من رحلاته السياسية والعسكرية، مما أتاح له فرصة التعرف على أصول الحكم وإدارة الدولة منذ صغره.
دور أبو عبد الله المهدي في حياة أبيه المنصور
برز دور المهدي العسكري بشكل واضح عندما ولاه أبوه قيادة بعض الحملات العسكرية. وفقًا لما ذكره ابن الأثير في “الكامل في التاريخ”، قاد المهدي عام 151هـ/768م حملة عسكرية ناجحة نحو منطقة طبرستان والديلم. حيث استطاع إخضاع تلك المناطق وتأمين حدود الدولة الشمالية. كما شارك في التخطيط للعديد من الحملات ضد البيزنطيين، حيث كان والده ينيبه عنه في قيادة الجيوش أثناء غيابه عن العاصمة.
كما تكشف المصادر التاريخية عن الدور البارز الذي لعبه المهدي في مساعدة أبيه في القضاء على التمردات الداخلية. يذكر المسعودي في “مروج الذهب” أن المهدي تولى بنفسه قمع ثورة العلويين في المدينة المنورة عام 145هـ/762م، حيث أظهر حنكة سياسية وعسكرية في التعامل مع الأزمة.
كما كان له دور رئيس في مواجهة تمرد الخوارج في مناطق عدة من العراق وفارس، حيث طور أساليب جديدة في التعامل مع هذه الحركات المتمردة. وعندما كان في الرابعة عشرة من عمره توجه بجيشه إلى منطقة الري لإخماد تمرد عبد الجبار الأزدي. وعاد بالجيش منتصرًا دون وخسائر تذكر في الجيش العباسي.
ولاية العهد للمهدي
في السنوات الأخيرة من حكم المنصور، أصبح المهدي بمثابة الوزير الأول لأبيه. يؤكد المؤرخون مثل الذهبي في “سير أعلام النبلاء” أن المنصور كان ينيب ابنه في إدارة شؤون الدولة أثناء سفره، وقد منحه صلاحيات واسعة في تعيين الولاة والقضاة. هذه التجربة الإدارية العميقة هيأت المهدي بشكل ممتاز لتولي الخلافة بعد وفاة والده، حيث كان قد اكتسب خبرة عملية في جميع مجالات إدارة الدولة.
أعلن المنصور ولاية العهد لابنه المهدي في ذي الحجة عام 147هـ/764م، وذلك بعد سنوات من التخطيط الدقيق. جاء هذا القرار في ظل ظروف سياسية حرجة، حيث كانت الدولة العباسية الفتية تواجه تحديات داخلية من قبل العلويين والخوارج، وتهديدات خارجية من البيزنطيين. وقد رأى المنصور أن تعيين ولي عهد قوي ومؤهل هو الضمانة الأكيدة لاستمرار الدولة.
واجه قرار المنصور ببيعة المهدي بعض المعارضة من داخل الأسرة العباسية نفسها، وخاصة من عمه عيسى بن موسى الذي كان وليًا للعهد من قبل. يذكر البلاذري في أنساب الأشراف أن المنصور اضطر إلى إجراء مفاوضات مضنية مع أفراد العائلة لإقناعهم بالقرار الجديد. وقد انتهى الأمر بتنازل عيسى بن موسى عن ولاية العهد مقابل تعويضات مالية كبيرة ووعود بالحفاظ على مكانته.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مراسم البيعة جرت في قصر الخلافة ببغداد بحضور كبار القادة والعلماء والوجهاء. وقد حرص المنصور على أن تكون البيعة علنية وشاملة، فأمر بنشر الخبر في جميع الأقاليم، ونظم حملة توعية في المساجد لتأكيد شرعية القرار.
وقد لقب المنصور ابنه بالمهدي ( إشارة إلى المهدي المنتظر ) تأكيدًا على شرعية الحكم العباسي وربطه بالبعد الديني في مواجهة الدعاية العلوية.
خلافة أبو عبد الله المهدي
تولى أبو عبد الله محمد المهدي الخلافة العباسية في ذي الحجة عام 158هـ/775م، بعد وفاة أبيه الخليفة أبو جعفر المنصور. وقد استطاع المهدي بحنكته السياسية والعسكرية أن يقود الدولة إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار. وذكر ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” أن أول ما فعله المهدي عند توليه الخلافة هو تعيين أخيه يعقوب بن المنصور وزيرًا له، كما أعاد تنظيم الجهاز الإداري للدولة.
وقد استهل خلافته بتوزيع خزائن الدولة من الذهب والفضة على عامة الشعب. كما أطلق سراح المساجين، وأعاد الأموال المصادرة إلى أصحابها، وسد ديون المدينيين، وزوج الشباب. كل هذه الإجراءات رفعت من مكانته لدى الناس، فأحبوه وتعلقوا به.
واشتهر المهدي بعدله ولينه، عكس والده، لذلك عزل الولاة والوزراء، خوفًا من طمعهم وفسادهم. ونجح في السيطرة على كافة التمردات والثورات، ووصل بالدولة إلى الاستقرار والأمان.
أخذ البيعة لابنه الهادي
شهد عهد الخليفة العباسي المهدي تحولًا جوهريًا في مسألة ولاية العهد، تمثل في قراره خلع ابن عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وإحلال ابنه موسى الهادي مكانه. هذا الحدث السياسي الخطير، وقع عام 166هـ/782م، وهناك من قال أنه كان عام 160 هـ. وكان وراء هذا القرار عدة عوامل:
الرغبة في توريث الحكم لأبنائه مباشرة.
خشيته من قوة عيسى بن موسى ونفوذه الكبير في الجيش والدولة.
إصرار زوجته الخيزران، أم الهادي وهارون الرشيد، على تفضيل أبنائها في ولاية العهد.
وتذكر المصادر أن المهدي ضغط على عيسى للتنازل عن ولاية العهد مقابل مبلغ كبير من المال ووعود بإقطاعات واسعة. وبعد تردد، وافق عيسى على التنازل، فقام المهدي على الفور بأخذ البيعة لابنه موسى الهادي من كبار رجال الدولة والقادة العسكريين.
وبعدما حقق ابنه هارون إنجازات عسكرية، ونجح في الحصول على جزية من القسطنطينية وعودته منتصرًا، أعلنه وليًا للعهد بعد المهدي، ولقبه بالرشيد.
إنجازاته العمرانية والعلمية
تميز عهد المهدي بازدهار عمراني وعلمي ملحوظ. يذكر الخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” أن المهدي أمر بتوسعة المسجد الحرام في مكة، كما بنى العديد من المساجد والقصور في بغداد. وقد أولى الخليفة اهتمامًا خاصًا بالحركة العلمية، حيث شجع على ترجمة الكتب من اللغات الأخرى إلى العربية، وأنشأ دورًا للعلم في العاصمة بغداد. وازدهرت في عهده حركة الشعر والأدب، حيث احتضن بلاطه العديد من الشعراء والعلماء.
إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية
اتبع المهدي سياسة اقتصادية ناجحة ساهمت في تحسين أحوال الرعية. يذكر حيث قام بإصلاح النظام المالي للدولة، وأمر بسك نقود جديدة أكثر دقة في وزنها وجودة صنعها. كما اهتم بشبكة الري والزراعة، فحفر القنوات وأصلح الجسور في مختلف أنحاء الدولة. وقد عرف عن المهدي عدله ورحمته بالفقراء، حيث كان يخصص أيامًا معينة لاستماع شكاوى الناس ومظالمهم بنفسه.
سياسته الخارجية والعسكرية
واصل المهدي سياسة أبيه في مواجهة البيزنطيين. يذكر البلاذري في “فتوح البلدان” أن المهدي أرسل عدة حملات عسكرية ضد الإمبراطورية البيزنطية، حيث استطاع جيشه اختراق العمق البيزنطي في بعض المعارك. كما طور علاقات دبلوماسية مع مملكة الفرنجة في أوروبا، وأرسل سفارات إلى الصين والهند لتعزيز العلاقات التجارية.
وخلال سنوات حكمه الأولى، واجه المهدي تمردًا كبيرًا للخوارج في مناطق الجزيرة والموصل، فأرسل حملات عسكرية نجحت في قمع التمرد بعد معارك ضارية. كما اهتم بتأمين الحدود الشرقية للدولة، فأرسل حملة عسكرية إلى كابل عام 160هـ/777م لمواجهة التهديدات القادمة من تلك المناطق
وفاة الخليفة أبو عبد الله المهدي
توفي المهدي عام 169هـ/785م أثناء رحلة صيد في منطقة مسكن قرب بغداد، كما يذكر ابن كثير في “البداية والنهاية”. وهناك من ذكر بأنه مات مسمومًا، وذكرت عدة روايات حول ذلك. وقد خلفه في الحكم ابنه موسى الهادي، بعد أن حكم لمدة عشر سنوات وتسعة أشهر. وقد ترك المهدي دولة قوية ومستقرة، حيث يعتبر عصره من العصور الذهبية للخلافة العباسية.
المصادر:
ابن الأثير: الكامل في التاريخ.
ابن كثير: البداية والنهاية.
البلاذري: فتوح البلدان.
البلاذري: أنساب الأشراف.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك.
ابن خلدون: المقدمة.
الذهبي: سير أعلام النبلاء.
التعليقات
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
اترك تعليق