أبو مسلم الخراساني (718–755م) هو أحد أبرز القادة العسكريين والثوريين في التاريخ الإسلامي. لعب دورًا محوريًا في إسقاط الدولة الأموية وتمهيد الطريق لقيام الدولة العباسية. اشتهر بذكائه العسكري وقدرته على تجنيد الآلاف تحت رايته، مما جعله شخصية مؤثرة في تاريخ الخلافة الإسلامية.

 

نسبه ونشأته

تضاربت الروايات التاريخية حول أصل أبو مسلم الخراساني، فبعض المؤرخين يرون أنه من أصول فارسية. بينما يشير آخرون إلى أنه كان من الموالي (غير العرب المتحالفين مع القبائل العربية). وتذكر بعض المصادر أن اسمه الحقيقي هو عبد الرحمن بن مسلم، لكنه اشتهر بلقب “أبو مسلم” بعد انضمامه إلى الدعوة العباسية.

أما نسبه العائلي، فثمة روايات تزعم أنه ينحدر من أسرةٍ متواضعة في خراسان. في حين تشير مصادر أخرى إلى أنه ربما كان من سلالةٍ ذات مكانة اجتماعية أعلى.

وُلد أبو مسلم في مدينة مرو بخراسان (تركمانستان حاليًا)، وقيل في أصبهان حوالي عام 718م. في فترةٍ كانت فيها المنطقة تشهد اضطرابات سياسية واجتماعية بسبب سياسة التمييز التي اتبعها الأمويون. ونشأ في بيئةٍ مليئة بالسخط ضد الحكم المركزي، حيث كان الفرس والموالي يعانون من التهميش رغم دورهم الكبير في الفتوحات الإسلامية.

ولعبت الظروف الاجتماعية في خراسان دورًا كبيرًا في تشكيل شخصية أبو مسلم. فبعد قرن من الفتوحات الإسلامية، كانت المنطقة تعاني من تفاوت طبقي واضح، حيث سيطرت النخبة العربية على السلطة والثروة، بينما عانى السكان المحليون من الضرائب الباهظة والتهميش. هذا الوضع جعل خراسان أرضًا خصبة للثورة، واستطاع أبو مسلم أن يحوّل هذا السخط إلى قوةٍ عسكرية وسياسية منظمة.

 

دور  أبو مسلم الخراساني في الثورة العباسية

تعود بداية ارتباط أبو مسلم بالحركة العباسية إلى لقائه المصيري مع إبراهيم الإمام، الزعيم السري للدعوة في خراسان. وقد حدث هذا اللقاء في أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري، حيث لفت أبو مسلم انتباه قادة الحركة بذكائه الحاد وقدرته الخطابية الاستثنائية. كان لإبراهيم الإمام بصيرة نافذه عندما اختار هذا الشاب الطموح لقيادة الحركة في خراسان عام 745م. وهو القرار الذي سيثبت لاحقًا أنه من أنجح الخيارات الاستراتيجية للدعوة العباسية.

أبدى أبو مسلم مهارة فائقة في تنظيم الثورة عبر مراحل متعددة. بدأ بمرحلة التأسيس السري بين عامي 745-747م، حيث أنشأ شبكة من الخلايا السرية في أهم مدن خراسان مثل مرو ونيسابور. واعتمد في تجنيد الأنصار على استغلال السخط الشعبي المتزايد ضد الحكم الأموي. مستهدفًا بشكل خاص فئة الموالي (غير العرب) الذين عانوا من التمييز، بالإضافة إلى زعماء القبائل العربية غير الراضين عن سياسة بني أمية.

وفي منعطف تاريخي حاسم، رفع أبو مسلم الراية السوداء في قرية سفيدنج بمرو خلال شهر رمضان عام 129 هـ (يونيو 747م)، معلنًا بدء الثورة العلنية ضد الدولة الأموية. لم يكن اختيار الراية السوداء عشوائيًا، بل كان رمزًا يميز الثوار عن الأمويين الذين اتخذوا الراية البيضاء، كما مثل تعبيرًا عن الحداد على آل البيت. هذا الإعلان شكل بداية مرحلة جديدة أكثر جرأة في مسار الثورة.

قاد أبو مسلم حملة عسكرية منظمة ومحكمة تميزت بالحكمة والتدرج. واستطاع خلال عام واحد فقط أن يسيطر على خراسان بالكامل، ثم أرسل جيوشًا بقيادة قحطبة بن شبيب نحو العراق. وبلغت ذروة انتصاراته في معركة الزاب الكبرى عام 750م، التي كانت الضربة القاضية للدولة الأموية. حيث هزم جيش الخليفة مروان الثاني هزيمة ساحقة غيرت مسار التاريخ الإسلامي.

يكمن سر النجاح الباهر لأبي مسلم في عدة عوامل مترابطة. من الناحية العسكرية، اعتمد استراتيجية ذكية جمعت بين حرب العصابات والمواجهات المباشرة، مستفيدًا من معرفته الدقيقة بجغرافية المنطقة. أما سياسيًا، فقد صاغ خطابًا مؤثرًا يركز على مظالم الحكم الأموي، ويدعو إلى “الرضا من آل محمد”، مع وعد بتحقيق العدالة الاجتماعية. كما أظهر عبقرية تنظيمية في إدارة الموارد البشرية والمادية. حيث أنشأ نظامًا دقيقًا لجمع المعلومات والتمويل، مستفيدًا من دعم تجار خراسان الأثرياء.

 

أبو مسلم الخراساني في عهد السفاح

عقب انتصار الثورة العباسية وتأسيس الدولة الجديدة، وجد أبو مسلم نفسه في موقع قوة غير مسبوق. فقد كان حاكم خراسان الفعلي وقائد الجيوش الشرقية، يتمتع بولاء آلاف المقاتلين.

وخلال خلافة أبي العباس السفاح (750-754م)، تمتع أبو مسلم بحرية عمل واسعة في خراسان وما حولها. وقد وثق المؤرخ الطبري كيف أن السفاح كان يعامله معاملة الأقرباء، بل وكلفه بمهام حساسة مثل قمع تمرد عبد الله بن علي عم الخليفة.

 

التصعيد في عهد المنصور

شكلت العلاقة بين أبي مسلم الخراساني وأبي جعفر المنصور أحد أكثر الفصول إثارة وتوترًا في التاريخ العباسي المبكر. فبعد أن كان أبو مسلم حجر الزاوية في نجاح الثورة العباسية، تحول إلى مصدر قلق للخليفة الجديد.

كان أبو جعفر المنصور، الأخ الأصغر للخليفة الأول السفاح، يعد العدة لخلافته. هنا بدأت بوادر التوتر تظهر بين الرجلين، حيث رأى المنصور في نفوذ أبي مسلم تهديدًا مباشرًا لسلطته المركزية.

وعندما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة عام 754م، بدأت مرحلة جديدة من العلاقة المتوترة مع أبي مسلم. يذكر ابن الأثير في “الكامل” أن المنصور حاول في البداية استرضاء أبي مسلم بتأكيد منصبه في خراسان، لكنه في الوقت نفسه بدأ يضع الخطط للحد من نفوذه. وقد تجلى هذا التوتر في عدة مواقف:

رفض أبي مسلم الانصياع للأوامر بالقدوم إلى العاصمة.

إصراره على الاحتفاظ بجيشه الخاص.

محاولاته للتدخل في تعيينات الولاة.

 

مقتل أبو مسلم الخراساني

في ربيع عام 137هـ، استدعى المنصور أبا مسلم إلى العاصمة بحجة التشاور في شؤون الدولة. كان هذا الاستدعاء محفوفًا بالمخاوف، إذ يروي ابن الأثير في “الكامل” أن العديد من المقربين من أبي مسلم حذروه من مغبة الاستجابة لهذا الطلب. ومع ذلك، قرر أبو مسلم الذهاب بعد أن تلقى وعودًا بالأمان من الخليفة نفسه، مدفوعًا ربما بثقته الزائدة في مكانته أو باعتقاده أن المنصور لن يجازف بقتل بطل الثورة العباسية.

عند وصول أبي مسلم إلى قصر الخلافة في الكوفة، استقبله المنصور بحفاوة ظاهرية. كما حاول إقناعه بالتخلي طواعية عن منصبه في خراسان. وعندما أبدى أبو مسلم تصلبًا في موقفه، بدأ المنصور يعد العدة للتصفية الجسدية.

وذات يوم، دُعي أبو مسلم إلى مجلس خاص في القصر. يصف الطبري المشهد بتفصيل دقيق: بينما كان أبو مسلم جالسًا يناقش الخليفة، دخل مجموعة من الحراس المسلحين خلسة. وعند إشارة من المنصور، انقضوا على أبي مسلم الذي حاول الدفاع عن نفسه بسلاحه الشخصي، لكن الكمين كان محكمًا. سقط أبو مسلم صريعًا بعد صراع قصير. وكانت كلماته الأخيرة، حسبما يروي المؤرخون، تعبيرًا عن صدمته من خيانة المنصور: “أمثلي يقتل؟! أنا الذي قاتلت بين يديك وأسقطت الأموية!”.

أثار مقتل أبي مسلم زلزالًا سياسيًا هائلًا:

في خراسان: اندلعت ثورة عارمة بقيادة سنباذ، انتقامًا لمقتل أبي مسلم.

في البلاط العباسي: حاول المنصور تبرير فعلته باتهام أبي مسلم بالخيانة والعصيان.

وفي الأوساط الشعبية: انتشرت قصص مبالغ فيها عن نبوءات بموت أبي مسلم.

 

 

 

المصادر:

الطبري: تاريخ الأمم والملوك.

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

الذهبي: سير أعلام النبلاء.

إسلام ويب: أبو مسلم الخراساني.

الوسوم :

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة

عرض جميع المقالات