يُعتبر الخليفة العباسي أبو إسحاق محمد المعتصم بالله أحد أبرز خلفاء الدولة العباسية. حيث مثّل عهده مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ الخلافة. اشتهر المعتصم بالقوة العسكرية والحسم السياسي، كما ارتبط اسمه بظهور العناصر التركية في الجيش والحكم. قامت سياسته على تعزيز المركزية وتوسيع رقعة الدولة، لكنها حملت في طياتها بذور التغييرات التي ستؤثر لاحقًا على مسار الخلافة العباسية.

 

نشأة الخليفة المعتصم بالله

وُلد المعتصم بالله في بغداد سنة 179هـ/796م، وهو ابن الخليفة هارون الرشيد من جارية تركية تدعى ماردة. نشأ في قصر الخلافة وتلقى تعليمًا مميزًا كبقية أبناء الأسرة العباسية. لكنه تميز منذ صغره بميوله العسكرية وقوته البدنية الفائقة. يذكر المؤرخون أنه كان يُلقب بـ”المعتصم بالله الفتى” في شبابه بسبب بنيته القوية وشجاعته في ساحات القتال.

كان للمعتصم علاقة خاصة مع أخيه غير الشقيق المأمون، الذي كان يكبره بسبع سنوات. عندما أصبح المأمون خليفة، عين المعتصم قائدًا للجيوش في عدة حملات، مما منحه خبرة عسكرية واسعة.

 

توليه الخلافة وسيطرة الأتراك

تولى المعتصم الخلافة في ظروف بالغة التعقيد. فمن ناحية، كانت الدولة تعاني من تمردات متفرقة في الأقاليم، ومن ناحية أخرى، كان الجيش يعاني من انقسامات داخلية بين العناصر العربية والفارسية. قرر المعتصم مواجهة هذه التحديات بسياسة تعتمد على القوة العسكرية والحسم الإداري.

أول قرار اتخذه المعتصم كان نقل عاصمة الخلافة من بغداد إلى سامراء سنة 221هـ/836م. يذكر الطبري أن هذا القرار جاء نتيجة تزايد النفوذ التركي في الجيش وعدم ارتياح سكان بغداد لهم. حيث بنى المعتصم مدينة سامراء لتكون معسكرًا كبيرًا لجنوده الأتراك، مما أعطاه سيطرة أكبر على مقاليد الأمور.

ويُعتبر عهد المعتصم بداية عصر السيطرة التركية في الدولة العباسية. حيث قام بتوسيع نطاق تجنيد المماليك الأتراك بشكل غير مسبوق، وجلب آلاف الجنود من آسيا الوسطى. كان هؤلاء الجنود يتمتعون بولاء مطلق للخليفة، كما كانوا يشكلون قوة ضاربة في المواجهات العسكرية.

لكن هذه السياسة حملت معها تحديات كبيرة. يذكر المسعودي في “مروج الذهب” أن الأتراك بدأوا يتدخلون في شؤون الحكم، كما أن انعزالهم في سامراء زاد من فجوة العلاقة بينهم وبين عامة الناس. هذه المشكلات ستتفاقم في عهود الخلفاء اللاحقين وتؤدي إلى أزمات سياسية كبيرة.

 

أبرز الأحداث العسكرية في عهده

شهد عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله تحولات كبرى في الهيكل العسكري للدولة العباسية. وتميز عهده بحملات عسكرية واسعة ضد التمردات الداخلية والتهديدات الخارجية، مما أعاد هيبة الدولة العباسية بعد فترة من الضعف.

مواجهة ثورة بابك الخرمي

تُعد مواجهة ثورة بابك الخرمي (201-222هـ/816-837م) من أهم الأحداث العسكرية في عهد المعتصم. استمرت هذه الثورة الخطيرة في أذربيجان وأجزاء من أرمينية طوال عقدين من الزمان. حيث تمكن بابك من تكوين جيش قوي وتهديد المناطق المجاورة.

وفي سنة 222هـ/837م، جهز المعتصم جيشًا ضخمًا بقيادة القائد التركي الأفشين حيدر بن كاوس. استخدم الأفشين تكتيكات عسكرية بارعة، حيث قطع خطوط الإمداد عن قوات بابك قبل أن يشن هجومًا حاسمًا. وتمكن الجيش العباسي من القبض على بابك وإرساله إلى سامراء حيث أُعدم. يذكر الطبري أن هذه الحملة كلفت الخزينة أموالًا طائلة، لكنها قضت على أخطر تمرد واجهته الدولة منذ زمن.

فتح عمورية

في سنة 223هـ/838م، قاد المعتصم بنفسه واحدة من أعظم الحملات العسكرية ضد الإمبراطورية البيزنطية. وجاءت هذه الحملة ردًا على هجوم بيزنطي على مدينة زبطرة وسبي النساء المسلمات. حشد الخليفة المعتصم جيشًا ضخمًا، تعداده حسب ابن الأثير حوالي 150 ألف مقاتل، معظمهم من الجنود الأتراك. تقدم الجيش العباسي في عمق الأراضي البيزنطية حتى حاصر مدينة عمورية، التي كانت من أهم المدن البيزنطية في آسيا الصغرى. واستمر الحصار عدة أسابيع انتهت باقتحام المدينة في 17 رمضان 223هـ/12 أغسطس 838م. كان سقوط عمورية صدمة كبرى للبيزنطيين، حيث يذكر المسعودي أن الإمبراطور تيوفيل اضطر إلى الفرار من المدينة. وأعاد هذا الانتصار هيبة الجيش العباسي بعد سنوات من التراجع.

مواجهة تمرد الزط

واجه المعتصم تمردًا خطيرًا من جماعات الزط (الغجر) في جنوب العراق سنة 219هـ/834م. كان هؤلاء المتمردون يهاجمون القرى والمدن ويقطعون الطرق التجارية. أرسل المعتصم قوة عسكرية كبيرة بقيادة عجيف بن عنبسة، الذي تمكن من حصر المتمردين في مناطق الأهوار. وانتهت الحملة بالقبض على زعماء التمرد ونقل آلاف من الزط إلى منطقة الحدود البيزنطية في الثغور. يذكر الطبري أن المعتصم استخدم هؤلاء المتمردين الناجين كقوات حرس حدود ضد البيزنطيين، في محاولة ذكية لتحويل التهديد إلى فرصة.

القضاء على تمردات العلويين

واصل المعتصم سياسة أخيه المأمون في مواجهة حركات التمرد العلوية، لكن بأساليب أكثر حزمًا. في سنة 220هـ/835م، قمع تمردًا علويًا في الكوفة بقيادة محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين. كما واجه حركة أخرى في طبرستان بقيادة الحسن بن زيد. واعتمد المعتصم على القادة الأتراك في هذه الحملات، مما عزز من نفوذهم العسكري.

 

الإنجازات الحضارية والعمرانية

رغم تركيز المعتصم على الشؤون العسكرية، إلا أن عصره شهد إنجازات حضارية مهمة:

بناء مدينة سامراء التي أصبحت من أعظم مدن العالم الإسلامي.

تطوير نظام الري في العراق.

تشجيع الحركة العلمية، وإن كان أقل من سلفه المأمون.

بناء المساجد والقصور الفخمة، ومنها المسجد الجامع في سامراء الذي اشتهر بمئذنته الملوية.

 

لماذا لقب المعتصم بالله بالخليفة المثمن؟

لقب الخليفة العباسي المعتصم بالله بـ”المثمن” بسبب مجموعة من الظروف والخصائص العددية التي أحاطت بفترة حكمه وحياته، والتي ارتبطت بشكل لافت بالرقم 8 (ثمانية). وهذه أبرز الأسباب التي تفسر هذه التسمية:

كان المعتصم بالله هو الخليفة الثامن في سلسلة الخلفاء العباسيين، حيث جاء بعد السفاح، المنصور، المهدي، الهادي، الرشيد، الأمين، والمأمون.

وارتبطت عدة أحداث في حياة المعتصم بالرقم 8. حيث كانت مدة خلافته 8 سنوات و8 أشهر و8 أيام. وكانت وفاته في 18 ربيع الأول، وعدد أولاده 8 أولاد.

كما أن مدينة سامراء التي بناها صممت بشكل حلزوني من 8 طبقات، وبنيت بعض قصوره على شكل ثماني الأضلاع.

 

وفاة الخليفة العباسي المعتصم بالله

شهدت وفاة الخليفة العباسي المعتصم بالله في 18 ربيع الأول 227هـ الموافق 5 يناير 842م نهاية حقبة مهمة في التاريخ العباسي. توفي المعتصم في قصره بمدينة سامراء التي أسسها لتكون عاصمة جديدة للخلافة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن المعتصم توفي بعد معاناة قصيرة مع المرض، حيث أصيب بداء النقرس الذي ألم به في أواخر أيامه.

كانت وفاة المعتصم حدثًا مفصلياً في مسيرة الدولة العباسية، إذ مثّل نهاية عصر القوة العسكرية المركزية التي تميز بها حكمه. ويذكر ابن الأثير أن جنازة المعتصم شهدت مظاهر مهيبة، حيث شارك فيها كبار القادة والعلماء والأمراء، خاصة من العناصر التركية التي ارتبطت به ارتباطًا وثيقًا طوال فترة حكمه.

تولى الخلافة بعد المعتصم ابنه الواثق بالله، الذي حاول الحفاظ على سياسات والده العسكرية والإدارية. لكن المؤرخين يتفقون على أن وفاة المعتصم مثلت نهاية حقبة القوة العباسية المركزية، وبداية مرحلة جديدة من سيطرة القادة العسكريين الأتراك على مقاليد الحكم الفعلية.

 

 

اقرأ أيضًا: الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك

 

 

 

المصادر

الطبري: تاريخ الرسل والملوك.

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

المسعودي: مروج الذهب.

ابن خلدون: المقدمة.

تاريخ اليعقوبي.

السيوطي: تاريخ الخلفاء.

الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد.

ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة.

البلاذري: فتوح البلدان.

 

الوسوم :

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة

عرض جميع المقالات